محمد بن جرير الطبري

52

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وجل . فقال له نبي الله : على أي عمل رأيتهم ؟ قال : يا نبي الله رأيتهم على عمل عظيم من سخط الله ، فلو كانوا على مثل ما كانوا عليه قبل اليوم لم يشتد عليهم غضبي ، وصبرت لهم ورجوتهم ، ولكن غضبت اليوم لله ولك ، فأتيتك لأخبرك خبرهم ، وإني أسألك بالله الذي بعثك بالحق إلا ما دعوت عليهم ربك أن يهلكهم ، فقال إرميا : يا مالك السماوات والأرض ، إن كانوا على حق وصواب فأبقهم ، وإن كانوا على سخطك وعمل لا ترضاه فأهلكهم . فما خرجت الكلمة من في إرميا حتى أرسل الله صاعقة من السماء في بيت المقدس ، فالتهب مكان القربان ، وخسف بسبعة أبواب من أبوابها ، فلما رأى ذلك إرميا صاح وشق ثيابه ، ونبذ الرماد على رأسه وقال : يا ملك السماوات والأرض بيدك ملكوت كل شئ وأنت أرحم الراحمين ! أين ميعادك الذي وعدتني ؟ فنودي إرميا ، إنهم لم يصبهم الذي أصابهم إلا بفتياك التي أفتيت بها رسولنا ، فاستيقن النبي صلى الله عليه وسلم أنها فتياه التي أفتى بها ثلاث مرات ، وأنه رسول ربه . ثم إن إرميا طار حتى خالط الوحش ، ودخل بختنصر وجنوده بيت المقدس ، فوطئ الشام ، وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم ، وخرب بيت المقدس ، أمر جنوده أن يملا كل رجل منهم ترسه ترابا ثم يقذفه في بيت المقدس ، فقذفوا فيه التراب حتى ملاوه ، ثم انصرف راجعا إلى أرض بابل ، وحمل معه سبايا بني إسرائيل ، وأمرهم أن يجمعوا من كان في بيت المقدس كلهم ، فاجتمع عنده كل صغير وكبير من بني إسرائيل ، فاختار منهم ستعين ألف صبي ، فلما خرجت غنائم جنده ، وأراد أن يقسمها فيهم ، قالت له الملوك الذين كانوا معه : أيها الملك لك غنائمنا كلها ، وأقسم بيننا هؤلاء الصبيان الذين اخترتهم من بني إسرائيل ، ففعل ، وأصاب كل رجل منهم أربعة أغلمة ، وكان من أولئك الغلمان دانيال وحنانيا وعزاريا وميشائيل وسبعة آلاف من أهل بيت داود ، وأحر عشر ألفا من سبط يوسف بن بعقوب ، وأخيه بنيامين ، وثمانية آلاف من سبط أشربن يعقوب ، وأربعة عشر ألفا من سبط زبالون بن يعقوب ونفثالي بن يعقوب ، وأربعة آلاف من سبط يهوذا بن يعقوب ، وأربعة آلاف من سبط روبيل ولاوي ابني يعقوب . ومن بقي من بني إسرائيل ، وجعلهم بختنصر ثلاث فرق ، فثلثا أفر بالشام ، وثلثا سبي ، وثلثا قتل ، وذهب بآنية بيت المقدس حتى أقدمها بابل ، وذهب بالصبيان السبعين الألف حتى أقدمهم بابل ، فكانت هذه الوقعة الأولى التي أنزل الله ببني إسرائيل باحداثهم وظلمهم . فلما ولى بختنصر عنهم راجعا إلى باب بمن معه من سبايا بني إسرائيل ، أقبل أرميا على حمار له معه عصير ثم ذكر قصته حين أماته الله مئة عام ، ثم بعثه ، ثم خبر رؤيا بختنصر وأمر دانيال ، وهلاك